علي محمد علي دخيل

355

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

من الكفار والضلال كذبوا رسل اللّه وجحدوا آياته وقالوا مثل قولهم ، وفعلوا مثل فعلهم فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي ليس عليهم إلا إبلاغ الرسالة وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ أي في كل جماعة وقرن رَسُولًا كما بعثناك يا محمد رسولا إلى أمتك أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي ليقول لهم : اعبدوا اللّه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أي عبادة الطاغوت ، ويعني بالطاغوت الشيطان وكل داع يدعو إلى الضلالة فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ معناه : منهم من هداه اللّه بأن لطف له بما علم أنه يؤمن عنده فآمن ، فسمّى ذلك اللطف هداية ، ويجوز أن يريد ، فمنهم من هداه اللّه إلى الجنة بإيمانه ، ولا يجوز أن يريد بالهداية هنا نصب الأدلة كما في قوله : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ، لأنه سبحانه سوّى في ذلك بين المؤمن والكافر وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ معناه : ومنهم من أعرض عما دعاه إليه الرسول فخذله اللّه فثبتت عليه الضلالة وهي العذاب والهلاك وقيل معناه : وجبت عليه الضلالة وهي العذاب والهلاك وقيل معناه : ومنهم من حقت عليه عقوبة الضلالة عن الحسن ، وقد سمى اللّه سبحانه العقاب ضلالا بقوله إنّ المجرمين في ضلال وسعر فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي أرض المكذبين الذين عاقبهم اللّه إن لم تصدقوني فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي فانظروا كيف حقت عليهم العقوبة وحلت بهم ، فلا تسلكوا طريقهم فينزل بكم مثل ما نزل بهم إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ أي على أن يؤمنوا بك فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ هذا تسلية للنبي ( ص ) في دعائه لمن لا يفلح بالإجابة لانهماكه في الكفر ، وإشارة إلى أن ذلك ليس لتقصير وقع من جهته ( ص ) ، واعلام له أنهم لا يؤمنون أبدا ، وإذا كانوا هكذا فإن اللّه لا يهديهم بل يضلهم على المعنى الذي فسرناه قبل وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي ليس لهم من ناصر ينصرهم ويخلصهم من العقاب وفي هذا بيان ان الإضلال في الآية ليس المراد به ما ذكره أهل الجبر . 38 - 40 - ثم حكى سبحانه عن المشركين نوعا آخر من كفرهم فقال وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي حلفوا باللّه مجتهدين في أيمانهم والمعنى : أنهم قد بلغوا بالقسم كل مبلغ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ أي لا يحشر اللّه أحدا يوم القيامة ، ولا يحيي من يموت بعد موته ، ثم كذبهم اللّه تعالى في ذلك فقال بَلى يحشرهم اللّه ويبعثهم وَعْداً وعدهم به عَلَيْهِ إنجازه وتحقيقه من حيث الحكمة حَقًّا ذلك الوعد ليس له خلف إذ لولا البعث لما حسن التكليف ، لأن التكليف إنما يحسن لإثابة من عوض به وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ صحة ذلك لكفرهم باللّه ، وجحدهم نبوة أنبيائه وقيل : لا يعلمون وجه الحكمة في البعث فلا يؤمنون به لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هذا بيان من اللّه تعالى انه إنما يحشر الخلائق يوم القيامة ليبين لهم الحق فيما كانوا فيه يختلفون فيه في دار الدنيا وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ في الدنيا في قولهم ان اللّه لا يبعث أحدا بعد موته إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قد ذكرنا تفسيره في سورة البقرة والمراد به هاهنا بيان أنه قادر على البعث ، لا يتعذر عليه ذلك ، فإنه إذا أراد شيئا كوّنه . 41 - 44 - وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا معناه : والذين فارقوا أوطانهم وديارهم وأهليهم فرارا بدينهم ، واتباعا لنبيهم في اللّه ، أي في سبيله لابتغاء مرضاته من بعد ما ظلمهم المشركون . وعذبوهم بمكة ، وبخسوهم حقوقهم لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي بلدة حسنة بدل أوطانهم وهي المدينة عن ابن عباس وقيل لنعطينهم حالة حسنة وهي النصر والفتح وقيل : هي ما استولوا عليه من البلاد وفتح لهم من الولايات وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ مما أعطيناهم في الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي لو كان الكفار يعلمون ذلك وقيل معناه : لو